السيد عبد الأعلى السبزواري

44

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

الثالث : ما هو أخص من الثاني كما ورد في شأن رسوله وحبيبه ( صلى اللّه عليه وآله ) : لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ سورة الإسراء ، الآية : 1 ] ، وقال تعالى : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [ سورة الأنعام ، الآية : 75 ] . وغير ذلك مما ورد في شأن أنبيائه الكرام وهذا مقام عظيم لا يليق لأحد إلّا لهؤلاء ( صلوات اللّه عليهم أجمعين ) . ولكل من هذه الأنواع مراتب كثيرة أيضا . ( الثالث ) : حيث إنّ منشأ الصراط المستقيم - بكلا معنييه - من علمه تعالى وإبداع حكمته التامة وإحاطته به من جميع الجهات فهو الأصل في الكمالات وينبعث منه سائر الكمالات في المخلوقات ، فيكون مبدؤه علمه تعالى وبقاؤه بديع حكمته جل شأنه ومنتهاه الخلود في جنته وفي مثل هذا الأمر - الذي لا يدرك عظمته - لا يتصور فيه نقص وينطوي فيه جميع المعارف الإلهية ، وما يتصور فيه من الاشتداد والضعف إنما هو من ناحية المتعلق ويأتي تفصيل ذلك في الآيات المناسبة لها إن شاء اللّه تعالى . ( الرابع ) : تقدم أن الصراط هو الطريق المؤدي إلى المطلوب واستعمل في القرآن الكريم موصوفا بالاستقامة والاستواء غالبا ، وقد أضيف اليه تعالى بأنحاء الإضافة كقوله تعالى : وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً [ سورة الأنعام ، الآية : 126 ] ، وقوله تعالى : صِراطِ اللَّهِ [ سورة الشورى ، الآية : 53 ] وقال اللّه تعالى : إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [ سورة سبأ ، الآية : 6 ] . ولم يضف الصراط إلى غيره تعالى إلّا نادرا بخلاف السبيل فإنه أضيف إلى غيره تعالى كثيرا ، كما أنّه ذكر بلفظ المفرد والجمع ، قال تعالى : وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [ سورة الأنعام ، الآية : 153 ] ، وقال تعالى : لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ سورة العنكبوت ، الآية : 69 ] . والسبيل هو الطريق الموصل إلى الصراط واختلاف السبل لا يوجب الاختلاف في أصل الصراط ، فمثل الصراط المستقيم والسبل المؤدية إليه مثل البحر وما يتفرع عنه من الجداول فالبحر يفيض على الكل والكل